السيد عباس علي الموسوي

112

شرح نهج البلاغة

يسأمون من عبادتك ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام ومدرجا للهوام والأنعام وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق اعتمادا ) هذا الكلام منه عليه السلام يتضمن الدعاء إلى اللّه والانقطاع إليه وما أروع تلك الكلمات العلوية التي ينساب منها الخضوع للهّ والرجوع إليه والتي تحتوي كل انقياد وعبودية له وهذا الدعاء عينه يتوجه به إلى اللّه . . . يتوجه إليه بما خلق فيدعوه بقدرته على تلك الأمور وهي قدرة لا يحدّها شيء . . يدعوه ليعلمنا أنه سبحانه هو الملجأ في الضراء كما هو ملجأ في السراء وفي النعمة كما هو في البلاء . . . ابتدأ بذكر السماء وقدرته العظمى التي خلقها بها اللهم يا رب السقف المرفوع وهي السماء والجو المكفوف إعادة للمعنى الأول أو أنه الفضاء الذي يقع فيه العالم المنظور من أرض وقمر وكواكب وكونه مكفوفا أي مضموم الجوانب فلا تتساقط كواكبه وما فيه لقدرة اللّه التي جعلها في نظامه العام من جاذبية تمسك ذلك وتمنعه من السقوط . . . وقد جعلته يا رب مغيضا لليل والنهار أي منقصا لكل منهما عند تزايد في الآخر فحين يزيد النهار يقصر الليل وعندما يزيد الليل يقصر النهار لأن حصول الليل والنهار إنما يكون بحركة الأرض فما قابل الشمس منها يكون نهارا وما غاب عنها سمي ليلا . وكذلك جعل اللّه هذا الفضاء الجو المكفوف محلا لجريان الشمس والقمر ومحلا لتردد النجوم السيارة المتحركة من مكان إلى آخر . . . ثم ذكر عظمة اللّه وقدرته وأنه سبحانه خلق في ذلك الفضاء جماعة من الملائكة الذين لا يملون من عبادته بشتى أصنافها ومختلف اشكالها وقد وصفهم الإمام في بعض خطبه بأوصاف عظيمة إن كان من جهة اشكالهم أم من جهة أعمالهم . . . وكذلك توجّه إلى اللّه بربوبيته التي خلق بها الأرض وجعلها مستقرا ومقاما للناس ومحلا يتحرك فيه الحشرات بأنواعها والأنعام من بقر وغنم وما لا يحصى من خلقك الصامت والناطق وما يرى بالعيون ويقع تحت النظر وما لا تطاله العيون لصغره ولطافته . . . دعاه لكل هذه الأمور وأيضا دعاه لكونه رب الجبال الثابتة المستقرة التي جعلها أوتادا للأرض يثبتها فلا تميد ولا تحيد وكذلك جعلها معتمدا للخلق من حيث المعادن فيها والمنافع من ماء ومحل للسكن وغير ذلك . . . ( إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة ) بعد أن توجه إلى اللّه بكل ما مضى وسأله بما خلق وبقدرته